أكثر من مجرد جلود وأقنعة: 5 حقائق مذهلة عن طقس "بوجلود" لم تكن تعرفها
بمجرد أن تهدأ جلبة ذبح الأضاحي في أحياء أكادير وقرى سوس، وتستقر رائحة الشواء في الأزقة العتيقة، تشرع الأرض في الاهتزاز تحت وقع أقدامٍ غريبة. فجأة، تنبعث من غبار الدروب كائنات "برزخية" تكسوها جلود الماعز والأغنام برائحتها النفاذة، تبرز من رؤوسها قرون حادة وتتدلى من معاصمها حوافرُ وسلاسلُ معدنية تُحدث صليلاً يبعث الرهبة في النفوس. هذا المشهد، الذي قد يبدو للغرباء ككابوس من العصور الوسطى، هو انطلاق لواحد من أعقد الطقوس الأنثروبولوجية في شمال إفريقيا: طقس "بوجلود" أو "بيلماون" (أصحاب الأقنعة). فكيف تحول هذا الكيان الفروي من أسطورة تثير الذعر إلى أيقونة ثقافية عالمية؟ وما هي الأسرار السيماوية التي تخبئها تلك الجلود؟
1. فلسفة "طرد الشر بالشر": جذور فلاحية وتجلّيات روحية
لا يمكن فهم "بوجلود" بمعزل عن دورته الزمنية؛ فالطقس يضرب بجذوره في حقبة ما قبل دخول الإسلام، حيث كان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ "بداية السنة الفلاحية الأمازيغية" ونهاية موسم الحصاد. كان الأمازيغ القدامى يمارسون هذا الطقس كفعل تطهيري لطرد أرواح الجفاف والنحس. الفلسفة هنا تكمن في "المحاكاة الرمزية"؛ فلكي تهزم الشيطان أو الروح الشريرة، عليك أن تتقمص هيئتها وتستعير قوتها لتكون "الند" المتفوق في معركة كونية بين الخير والشر.
"أنا شيطان أقوى منكم، اخرج من المدينة."
هذه العبارة ليست مجرد تهديد، بل هي إعلان عن "سلطة القناع" في تنقية الفضاء العام من الطاقات السلبية. ومع تعاقب العصور، شهد الطقس عملية "أَسلمة" بارعة؛ إذ رُبطت الروايات الشعبية بقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، ليتحول "بوجلود" من كيان وثني إلى رمز لـ "الشيطان المطرود" يوم العيد، مما سمح للموروث بالصمود داخل النسيج الديني الجديد.
2. "المساواة تحت القناع": السيولة الطبقية في أبهى صورها
يمثل "بوجلود" حالة من "السيولة الطبقية" الفريدة. بمجرد أن يرتدي الشاب الجلود، فإنه يعبر حدود هويته المدنية إلى هوية "الكائن العبوري". تحت القناع، تذوب الفوارق الجوهرية؛ فلا فرق بين ابن التاجر الثري وبين العامل البسيط، ولا سلطة لـ "سيد" على "خادم" أمام ضربات الحوافر والسلاسل. يمنح هذا الطقس "حصانة" مؤقتة للشباب لتفريغ شحناتهم والتعبير عن ذواتهم بحرية مطلقة، محطمين القيود الاجتماعية الصارمة في احتفالية تقلب الهرم الاجتماعي رأساً على عقب ليوم واحد.
3. بوجلود كشبكة تكافل اجتماعي: المؤسسة الاقتصادية المستترة
خلف ضجيج الرقص وصخب الشوارع، يختبئ نظام اقتصادي تكافلي متوارث. "بيلماون" ليس مجرد استعراض، بل هو آلية لجمع الموارد وتوزيعها بشكل عادل لتعزيز روابط "الجماعة". وتتجلى هذه الوظيفة في:
* عملية الطواف: جمع التبرعات من المنازل (مال، قطع لحم، ملابس) تحت غطاء "البركة" الرمزية للقناع.
* الوليمة الجماعية: تحويل هذه العطايا إلى مأدبة كبرى (وليمة) تجمع سكان الحي، مما يذيب الخلافات ويجدد أواصر الجوار.
* التضامن العضوي: توجيه الفائض لدعم الفئات الهشة داخل المجتمع السوسي، مما يجعل من الطقس أداة دمج اجتماعي فعالة.
4. "التطهير النفسي" ومدرسة التربية بالخوف
من منظور أنثروبولوجي، يمارس "بوجلود" وظيفة "التطهير النفسي" (Catharsis) للمجتمع. فضرب الأرض بالحوافر والصراخ الصاخب يمثل وسيلة لتفريغ الضغوط النفسية المتراكمة بعد مجهودات أيام العيد الشاقة. أما تربوياً، فيلعب الطقس دور "التربية بالخوف المحبب"؛ حيث تُستخدم شخصية بوجلود لتعليم الأطفال الانضباط عبر مواجهة الخوف بشكل رمزي، مع الحرص التام على أن يظل الضرب "رمزياً وخفيفاً" يندرج ضمن باب المزاح والمداعبة الجماعية.
5. بين "الشرك" و"المهرجان العالمي": صراع المعنى
لم يخلُ طقس "بوجلود" تاريخياً من جدل فقهي حاد. فقد انتقد بعض الفقهاء المظاهر المرتبطة به مثل "التشبه بالهيئة الشيطانية" (القرون والسلاسل) أو الإسراف، واعتبره البعض قديماً نوعاً من الشرك إذا ما اعتُقد أن الجلود تملك نفعاً أو ضراً. إلا أن ذكاء الإنسان الأمازيغي في سوس نجح في فصل "المعتقد" عن "العادة"، حيث يتم التأكيد اليوم على الجانب الثقافي والترفيهي المحض.
وقد انتقل الطقس من كونه ممارسة شعبية "مكروهة" في بعض الأوساط إلى "مهرجان بيلماون الدولي" الذي ترعاه الدولة، حيث تحولت الأقنعة إلى قطع فنية سريالية تجذب السياح والباحثين، مما عزز من قيمة الموروث كرافعة للتنمية السياحية والهوية الوطنية.
الخاتمة: تراث حيّ يتنفس
إن صمود "بوجلود" عبر آلاف السنين يثبت أنه ليس مجرد "قناع وجلد"، بل هو "درع ثقافي" يحمي الهوية المحلية من التنميط الذي تفرضه العولمة. إنه طقس يذكرنا بأن الشعوب التي تحتفي بأساطيرها هي الأقدر على صياغة مستقبلها.
وأنتم، هل سبق وأن طاردتكم عصا "بوجلود" وصوت سلاسله في أزقة مدينتكم، أم ترون فيه مجرد ممارسة فلكلورية مخيفة من عبق الماضي؟

